الشاعر والاسكافي المغربي محمد اللغافي لـ (ألف ياء)
أعرف سعدي يوسف من وجهه ولم أقرا له
عبد الهادي روضي
المغرب
يعـد الشاعر المغربي محمد اللغافي من الشعراء القلائل، الـذين مازالوا يصــرون على الانكتاب في فسيفساء القصيدة، واختزال غربته داخل مناخاتها، مؤمنا بقدرة القصيدة على بلورة خياراته وقناعاته ورؤاه، بعيدا عن بهرجة المواعيد المفتعلة
في دكانه، حيث يشتغل إسكافيا، تنكتب القصيدة مختزلة فداحة اليومي، وراسمة محمد اللغافي الإنسان المرتكن إلى جراحاته، وتراكمات الزمن القاسي، والنازح صوب استعادة بريق وجهه الطفولي. ويأتي هذا الحوار لينصت إلى أغوار ذات هذا الشاعر العصامي مستجليا ما يعتمل تلك الذات النابضة بالوفاء للقصيدة،ولبسطاء الوطن.
■ هل مازلت محمد اللغافي تحمل هو الوجه ذاته وحيدا؟
- الوجه هو وجهي ووجهك، ووجه الآخر، ووجه الثقافة، ووجه الشعر بالخصوص ، فحينما يكون الإنسان يحمل هم الوجه، لابد له أن يحافظ على ماء وجهه أولا، لكي يبقى وفيا لالتزامه بالرسالة التي يحملها عموما، لست وحدي الآن من يحمل هم هذا الوجه ، بل أرى وجوها جديدة صارت تحمل هم الوجه ذاته، وإن جاءت في ظرف تعيش فيه الثقافة المغربية انتكاسة.
انتكاسة على أي مستوى ؟
- انتكاسة على المستوى الثقافي عموما، والراهن الشعري خصوصا، وهذه الانتكاسة ترسخت منذ صعود ما سمي بالتناوب السياسي، فمنذ هذا الصعود لم يبق ذلك التراكم الهائل من اللقاءات الأدبية في عدد من الفضاءات الثقافية، ونتيجة لهذا الوضع، غذت الثقافة محاصرة حول الشخص نفسه ، فالمبدع سواء أكان شاعرا أو روائيا، صار يكتب لنفسه، وهذه الانتكاسة لا تقتصر على المغرب فحسب، بل تشمل بلدان أخرى، لذلك لانندهش حين نلتقي بنفس الانتكاسة في جغرافيات هنا وهناك، ونلتقي بنفس الإرهاصات التي نحملها نحن المبدعين المغاربة، ونفس الإقصاء والتهميش، إنها انتكاسة تكاد تكون شبه عامة.
ارتياد فضاءات الكتابة يرتبط كثيرا بحظة البداية، كيف تحققت بدايتك الشعرية ؟
-إنه سؤال بديهي، فكثيرا ما يسأل المبدعون نفس السؤال، وهم غالبا ما يلتقون في نفس المعنى، لذلك تكون إجاباتهم متقاربة ومتشابهة، فيبادر بعضهم، مثلا، إلى القول إن الكتابة جرفته، أو إن القصيدة داهمته خلسة، وهي الإحساسات نفسها التي لطالما عبرت عنها في حوارات سابقة ، لكنني بدأت الآن أغير نظري إلى الأفكار والأشياء بحكم تجربة الممارسة، فالكتابة في نظري، هي ابتلاء تلتصق بالشخص كما تلتصق به حرفة أو مهنة ما، أو أي شيء آخر ، فمحمد الغافي مثلا، هو الآن إسكافي لكن قبل ذلك لم يكن إسكافيا، ولم يكن له أستاذ في الخرازة، فقد حمل المطرقة والسندان، وخرج إلى السوق ، وانخرط في أجوائها، لذلك فالابتلاء بالشعر هو أشبه بالابتلاء بالخرازة.
كنتم من مؤسسي تجربة الحواس الخمس للثقافة والإبداع بسيدي مومن، لكنها توقفت في منتصف الطريق، لماذا توقفت هذه التجربة برأيهم ؟
-مجموعة الحواس الخمس، في نظري، كأية جماعة أدبية في المغرب وخارجه، حاولت ان تخلق من نفسها مدرسة أو اتجاها إبداعيا، له تصوراته الخاصة للثقافة والإبداع، وتنطلق بمفهومها الخاص لهما نحو الآفاق المنشودة، إلا أنها لم تستطع مواصلة ما بدأته، فانتهت تجربتها على منوال تجارب أخرى، بعدما لم تستطع أن تتجاوب مع الوضع الثقافي الهجين السائد بالمغرب، ومن تم، لم يعد يسمع لها أثر، وهو نفس المصير الذي آلت إليه تجارب مماثلة ، سواء داخل المغرب أو خارجه، كأبوللو، والديوان، وميكروب… إلخ
لقد انطلقت تجربة الحواس الخمس، في وقت كانت الثقافة والإبداع فيه شبه مغيبتين بسيدي مومن، وقد عملت على حمل مشعلها طيلة فترة تواجدها ، أما الآن فالوضعية تحسنت بدليل احتضان المنطقة لزخم من المبدعين الشباب، الذين تكلفوا بمواصلة حمل نفس المشعل، أذكر هنا بعض الأسماء التي أنا أحيي فيها هذه الروح، كرشيد الخديري، خليفة الدرعي، زيادي عتيق، كبش عبد العزيز، وآخرين يكتبون لكنهم يكتبون لأنفسهم لحد الآن، لانعدام الدعم ممن يفترض فيهم القيام بهذا الدور، وأنا أخشى أن يكون المآل الذي صرنا إليه طيلة هذه المدة، من تهميش وإقصاء ، هو نفس مصيرهم.
تجربة الحواس
لكن البعض يعزي أفول تجربة الحواس الخمس إلى إهمال المبدعين بالمنطقة، والاقتصار على أسماء افتقدت إلى الحس الإبداعي، ما تعقيبك ؟
-ليقل كل واحد ما شاء، لكن المؤكد هو أن تجربة الحواس احتضنت ثلة من شباب المنطقة ، وبفضلهم عملت على تفعيل رسالتها الثقافية والإبداعية، إلى أن انتهت نتيجة الوضع الثقافي والإبداعي الهش، من جهة، والتزامات أعضائها الذين فضل بعضهم الانسحاب نتيجة الملل من واقع ذلك الوضع، وبعضهم فضل العبور إلى الضفة الأخرى، بحثا عن آفاق واعدة، فيما غادر آخرون الدار البيضاء باتجاه مدن أخرى، بحكم التزامات العمل.
هذه هي أسباب أفول المجموعة، وليس إهمال مبدعي المنطقة هو سبب أفولها، كما أن الحواس الخمس لم تهمل أحدا، رغم أن بعض الأسماء- لاأذكرها الآن حتى لا أخدش بعضها- شنت عصيانها ضد مجموعتنا، ووصل بها الحد إلى التصريح بأن الحواس الخمس يجب أن تحرق كتاباتها، وأن ترمي في المزابل، بالإضافة إلى آخرين كتبوا ضد المجموعة وضد كتاباتها وأفكارها بالجرائد، لكن ذلك كله كان حافزا لنا لننطلق بكل جرأة وعناد، ونقول نحن هنا في الزمن، وفي هذا المكان وسنبقى إلى آخر المطاف.
هل مازلت تحن على تجربة الحواس الخمس ؟
-أحن فقط إلى اندفاعها وإلى شبابها، وإلى يفاعة منجزاتها، لا أحن إلى كتاباتها، أحن إليها لأنها اللبنة الأولى التي صنعت من محمد اللغافي شاعرا، وصنعت من حميد بركي شاعرا، وصنعت من أسماء أخرى شعراء.
رغم قلة الإمكانات أصدرت عد